محمد أبو زهرة

3629

زهرة التفاسير

ولقد بقي ببدنه وهو آية القدرة الإلهية ، يتخذه المفسدون لنشر الفساد والاتجار به في العالم . وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ غافلون عن آيات اللّه تعالى في الكون والناس ولولا أنهم غافلون لأقاموا العدل واعتبروا بفرعون ولأبعدوا الغرور عن أنفسهم وما استبدوا بمن يماثلونهم في الخلق والتكوين من الناس وقد يزيدون عليهم في المواهب التي أنعم اللّه بها على بعض عباده الأبرار ، ولو لم يكونوا غافلين لآمنوا بقدرة اللّه تعالى على البعث والنشور . وقد أكد اللّه غفلة الكثيرين من الناس بكلمة ( إن ) وبالجملة الاسمية وباللام في قوله تعالى : لَغافِلُونَ . هذا أمر فرعون ونهايته ، أما أمر بني إسرائيل فقد ذكره اللّه تعالى في قوله : وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 93 ) . كان بنو إسرائيل في أرض فرعون في منزل دون ومكان هون ، فكانوا في ذلة ومهانة فخرجوا وجاوزوا البحر في عزة ورأوا فرعون وملئه يغرقون وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي مكنّا لهم مكانا يطمئنون فيه ويبوءون مستريحين أعزة فيما بينهم مستقلين عن التبعية والذل . وقوله : مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي مقاما مطمئنا فاضلا يبعد عن السحر والكهانة وغيرها من أوهام فرعون . وقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني أنه يضاف إلى الصدق الفعل الذي يوصف به نحو قوله : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ . . . ( 55 ) [ القمر ] ، و . . . قَدَمَ صِدْقٍ . . . ( 2 ) فالصدق هو عنوان الفضائل ؛ لأنه يتضمن صدق القول وصدق النفس والضمير ، وهو عنوان لكل عمل فاضل ومكان طيب . وفي هذه الإقامة الطيبة الفاضلة الكريمة العزيزة رزقهم اللّه تعالى المن والسلوى ، وقد سجل اللّه اختلافهم بعد أن جاءهم العلم بالحق ، ورأوا المبينات